Sprachen
Inhalt Wer? Über uns Termine Submissions Untermenü
« zurück

تحيا الحرب

Kenan Khadaj (2016)

الآن فقط ظهر الوجهُ اللطيفُ لهذه المدينة , الآن أظهرت لهم معدنها الحقيقي , الآن أصبح بإمكانهم أن يدعونها وطناً , أو أرضاً … الآن فقط أصبحت الأم الحنون لهم .

بعد أن كانوا جميعاً مشردين في الشوارع يُطردون من مكانٍ إلى آخر , كأنهم ليسوا كائناتٍ حية …

كأنهم المنفيون على قارعة الوجود … خافتهم النساء …الرجال يقرفون حتى النظر إليهم , الأطفال يتسابقون على رمي الحجارة عليهم .

رغم كلّ هذا ورغم تحذيرات والدته الكثيرة , كان ماريو يؤمن أنّ سكان هذه المدينة ملكوا بعض الشفقة في قلوبهم , على عكس أخوته لم يختبأ حين مرّت عصابة الأطفال , لازال ماريو يذكر ذلك اليوم حين أمسك الأشرار الصغار به , في بادئ الأمر لم يدرك ماريو ما الذي سيحدث له , ربما ظنَّ أنَّهم قد تعاطفوا معه , نظر إليهم بعينيه البريئتين ولم يحاول أن يقول أي كلمة , بل قال في نفسه: „هم أطفالٌ مثلي , لن يقوموا بأذيتي“ , سيندمُ على ظنّه هذا كثيراً …

لا مبررَ للصفعة التي تلقاها ماريو , ولا مبررَ أيضاً للسبب الذي جعلهمَ يتقاذفونه ككرة قدم , رغم كلِّ توسلاته أوسعوه ضرباً دون رحمة , قبل أن يرموه في حاوية القمامة , ويصرخ زعيمهم به: „الحيوانات مثلك لا مكان لها بيننا , هذا منزلك من الآن فصاعداً“ .

لم ينسَ يوم كان يرجو الناس أن يرموا له بقطعةٍ صغيرة من الطعام , ولكنّه لم يحصل إلا على الشتائم منهم , رجاهم أكثر فحصل على جرعةٍ أكبر من الصرخات , ظلّ يحاول استعطافهم ولم يملّ الطلب …

إلى أن أتى صاحب المطعم ورماه خارجاً , وهو يتمتم بمحموعة غير مفهومةٍ من الكلمات , كان يريد أن يسألهم لماذا تتركونا هكذا؟ , لماذا كل هذه العنصرية القذرة؟ , أليس من حقنا نحن أيضاً أن نعيش؟ .

لا زال ماريو يذكر عندما طلب من لحام الحارة قطعةً من اللحم , قطعةً صغيرة كانت ستجعلُ معدته تهدأ ليومٍ آخر , يومها احمرَّ وجه اللحام الغبي , وطرد ماريو بإشارةٍ من ساطوره الطويل , لم يكلّف نفسه عناء أن يطلب منه الرحيل , فوراً استلّ ساطوره وأومأ لماريو بأن يرحل , يومها لم يخفِ ماريو دمعته ولا شتائمه , لكن لا نفع مع اللحام فاقد الإحساس.

كانت مدينة قاسية بكلِّ ما ملكت الكلمة من معنى , وكانت عملية النجاة والاستمرار بالحياة من يومٍ إلى آخر إنجازاً يستحقّ التخليد عند المساء , على الرغم من أنّهم لم يدفنوا موتاهم يوماً , لكنهم كانوا يذكرونهم جيداً , كانوا يقدسونهم بأن يستمروا بالحياة على أفضل وجه تسمح حياتهم الصعبة به , لم يكونوا إلا شاكرين على نعمة الحياة ليومٍ آخر , يأكلون بقايا طعامهم ويحمدون الرّب على تلك النعمة .

لكن الآن لا أهمية لكل هذا الماضي , فالله استجاب لدعوات ماريو الكثيرة , ها هم الآن يملكون سقفاً يسترهم , أصبحوا ينامون ببطونٍ ممتلئة , الآن أصبحت المدينة مملكتهم الخاصة لا أحد ينكّد عليهم عيشهم فيها .

رغم بعض المناوشات التي تحصل بينهم بين حينٍ وآخر , تلك الأيام الصعبة تركت أثرها داخلهم …

فمثلاً اليوم عندما كانوا يأكلون كعائلة سعيدة لاشيء ينغص صفوهم على مائدتهم العامرة , تقدم الأخ الكبير لماريو وسرق قطعة اللحم الخاصة بماريو , ثمّ هرب بها إلى إحدى الزوايا ليأكلها وحده , لم يجرؤ ماريو على مواجهته , فهو ضخم البنية وقوي جداً بالنسبة لماريو , فاكتفى بأن نقل ما حدث لأمه …

ولكن أم ماريو كجميع الأمهات لن ترضى بأن يتخاصم أطفالها من أجلِ قطعة لحمٍ تافهة , مسحت جبين ماريو بحنانها المعتاد وقالت له :

“ لا تقلق يا صغيري المجزرة تركت ما يكفي من الطعام لجميع العائلة „.

تحيا الحرب – رددت عائلة الكلاب بحماس- .

سوريا
26/4/2013

≡ Menü ≡
Startseite Inhalt
Termine Submissions
Autor_innen Übersetzer_innen Moderator_innen
Über uns Partner Galerie
Kontakt Blog Facebook
Festival 2016 Events Presse