Sprachen
Inhalt Wer? Über uns Termine Submissions Untermenü
« zurück

  أخيراً.. أصبح لي جناحان

Widad Nabi (2018)

(بين انغبورغ باخمان ومجموعة 47)

‎في شباط عام 2014 كان رأسي يتدحرجُ ككرة
قدم على إحدى شوارع حلب، فيما عيناي
كانتا تنغلقان بقوةٍ. أردت الموت بشدة،
كان الدم يسيل من أنفي فيما كانت كلمات
“أنغبورغ باخمان” تقفزُ في رأسي المدمى
على الأسفلت: “كل شخص يسقط، لديه أجنحة”.
كنتُ أسقط في موتي الذي اخترته منتظرة
الجناحان اللذان يطيران بي لعالم أخر
أكثر عدالة وإنسانية، عالم لا وجود لقسوة
الحب فيه، كنتُ أريد إنهاء حياتي تحت
عجلات السيارة العسكرية  التي لم أنتبه
لهويتها إلا بعد أن رميت بنفسي أمامها،
إنهاء حياتي التي سرقتها مني الحرب، الحب
الغير المحقق، الحواجز العسكرية، الخوف
من الاعتقال، والقصف اليومي، اليأس،
انقطاع الكهرباء والماء بشكل يومي
لساعات طويلة، هجرة معظم الأصدقاء
والعائلة… وكل التفاصيل الصغيرة التي لم
تعد متوفرة في مدينة تعيش تحت قبضة الحرب
الهائلة.
أردت أن أضع حداً لحياتي القاسية، لذا
ذهبت للانتحار بنفسي، لكن الموت رفضني،
قذفني خارج أرضه، أهانني وأذلني حين
وضعني بين يدي الجندي الذي كنت أهرب منه
وأرفع صوتي عالياً في المظاهرات ضده، ذلك
الجندي هو الذي دهسني بالسيارة العسكرية
حينما قررت الموت، كانت إحدى سخريات
القدر، إذ حملني بين ذراعيه من الشارع
فيما كعب بندقيته يلامس جبيني، فتحت
عيناي للحظات، لمحت كعب البندقية،
أغلقتهما وعدت مرة ثانية لأنغبورغ
باخمان، أسألها: لماذا الألم قاسي يا
باخمان، لماذا؟ كيف نجا قلبك بالاحتراق؟
ولماذا لا أنجح مثلك؟

‎خرجتُ حينها من المشفى بكسرٍ في الحوض،
أقعدني على ظهري في السرير لـ 3 أشهر،
وضحكة الطبيب في أذني، وكلماته “هذه أول
حالة تأتيني منذ عامين بحادث سير، المرضى
والجرحى هم إما بسبب قذيفة، صاروخ، قصف،
رصاصة قناص، جرة غاز،  أما أن يأتيني أحد
بسبب حادث سير فهو عجب العجاب في حلب”
وأطلق ضحكة طويلة.
كدت أخبره أنه لم يكن حادث سير، إنما
محاولة انتحار للخلاص من بؤس الحياة في
هذه المدينة، لكنني قرّرت الصمت، عدت
لقصيدة باخمان: “لكل شخص يسقط جناحان”
وأنا الآن بلا أجنحة أسقط في هاوية اليأس
والألم.
‎في السرير وأنا ممددة على ظهري عدت
لقراءة انغبورغ باخمان: كنتِ أريد أن
أنجو بالشِعر، تعاطفت مع علاقتها
الغرامية مع باول تسيلان، وماكس فريش
ورسائلها إليهما، ألمها الممتد على
سنوات عمرها، حتى السيجارة الأخيرة التي
أحرقت حياتها بها.
‎كانت أنغبورغ باخمان في تلك المرحلة
الصعبة والطويلة في حلب جناحي الأول الذي
عثرت عليه وساعدني على المشي مجدداً،
كنتُ أعرجُ بسبب الكسر في الحوض، لكن
قصائد باخمان كانت تخفّف الألم والعرج
بخفةٍ، إذ لطالما رافقتني قصائدها وأنا
أحاول التمرن على المشي من جديد في مشتل
الورد بالحي الذي أقيم فيه، لربما لا
تزال قصائد باخمان هناك تنمو في أصص
الزهور في مشتل الورد بعد أن توقفت الحرب
في حلب.
‎مر عام، على تلك الحادثة، نجوت من الموت
بجناحٍ واحد، (كان من صنع باخمان) كانت
باخمان سببٍ مهمٍ بهذه النجاة.
‎ وصلتُ إلى برلين، وأنا أحمل إرثاً
ثقيلاً من تجربتي الشخصية في الحرب والحب
والصراع لأجل البقاء، اكتشفت إنني
لازلتُ أعرج، لازلت بكسر غير مرئي لكن
هذه المرة ليس في الحوض إنما في القلب،
كسر لم أستطع معرفة كنهه إلا أثناء حديث
لي مع صديق عن انغبورغ باخمان وعلاقتها
مع ماكس فريش، ذلك الحديث دفعني مرة أخرى
للبحث عنها، هذه المرة بالألمانية
القليلة التي كنت أجيدها، كنت أريدها أن
تنقذني من الوحدة، من مشاكل الهوية التي
بدأت أعاني منها في البلد الجديد كما كان
الأمر في بلدي، هويات عديدة تتشكل داخلي
دون أن أستطيع أن أنحاز لإحداها، إحساس
بعدم وجود عدالة على هذه الأرض، أردتُ
لانغبورغ أن تمنحني الطاقة والأمل للبدء
من جديد في الكتابة والحياة، وكانت
المفاجأة هي اكتشافي علاقتها مع مجموعة
٤٧، حين قرأت لأول مرة عن هذه المجموعة،
عن الأدب الحديث الذي كتبوه، عن رؤيتهم
الجديدة للحياة والأدب والكتابة والنقد
في زمن كان صعباً جداً بالنسبة لهم، كيف
هدموا القديم، وتخلصوا من أنقاض الماضي،
ذلك  الدفاع الشرس عن الحرية
والديمقراطية والقضايا العادلة في كل
مكان على هذه الأرض، كل ذلك فتح نافذة ضوء
صغيرة في عتمة المنفى البرليني الجميل،
فهنا في هذه البلاد وقبل أكثر من ٥٠ عاماً
وجد مجموعة كتاب وشعراء عانوا ما أعانيه
الآن: الألم، الرغبة بالتحرر من ثقل
الماضي بكل ما فيه من مرارة الحرب
والموت، هدم كل الأعمدة المقدسة
القديمة، إعادة البناء والكتابة من جديد
على أنقاض الماضي… أجل هؤلاء من كنت أرغب
أن أولد معهم، أن أعيد معهم اكتشاف لغتي
ومفرداتي، أن أغيّر الذهنية التي أفكر
وأكتب بها، أن أعود لإيماني القديم، أننا
من خلال الأدب يمكن أن نغيّر شيئاً في
بشاعة هذا العالم، هذه المجموعة (مجموعة
47) كانت جناحي الثاني الذي كنت أفتقده
طوال الفترة الماضية بعد نجاتي من محاولة
الانتحار الفاشلة، هذه المجموعة التي
تذكرتها حين كنت أقف بيأس أمام حافة نهر
شبريه، إذ كنت أريد أن أرمي حياتي كاملة
في النهر، كنت أبكي هشاشتي، عدم قدرتي
على مواجهة المسؤوليات الجديدة التي
ينبغي أن أقوم بها لوحدي في هذه المدينة
التي بالكاد أعرف لغتها، رغبتي
المتواصلة بالموت كحل وخلاص، عدم قدرتي
على المشي بقدمين حديديتين على هذه الأرض
التي تبيّن لي أنها أقسى مما كنت
أتوقعهُ، أنقاض الماضي وأشباحه، صعوبات
الحاضر والبدء من جديد وحيدة بلا عائلة،
بلا أصدقاء، بلا موطن، من أنا لأقاوم كل
هذا الدمار والألم والقسوة ؟ لما لا أنهي
هذه الحياة الصعبة دفعة واحدة؟
كان هذا السؤال يدور في ذهني حين بدأ
أعضاء مجموعة 47 يظهرون لي الواحد بعد
الآخر، جلسوا حولي على ضفة النهر، من
انغبورغ باخمان إلى هنريش بول فغونتر
غراس وهانس ماغنوس وماكس فريش وآخرون لا
أعرفهم.
كان صوتهم واحداً وقوياً: الكتابة سوف
تشفيك، سوف تساعدك على المضي قدماً، على
تعلم المشي والابتسامة من جديد.
“صدقتهم”، ألم يكتبوا الأدب الألماني
الحديث من الصفر؟ ألم يشطبوا كل ما
سبقهم؟ ألم يصنعوا عالمهم الخاص رغم من
كل الصعاب؟

لقائي الثالث مع مجموعة 47 كان في أثناء
ورشة أقامها مشروع ” WEITERSCHREIBEN
“، حين كان مدير الـ سي بي السيد يورغن
يتحدث عن مجموعة 47 التي كانت تعقد
اجتماعاتها في الـ سي بي، إذ كانت سعادتي
سعادة طفل بعثوره على ما يحب، إذاً هنا في
هذا المكان الذي كنت جالسة فيه، كانوا
يجلسون ويتجولون بين هذه الممرات ينظرون
لذات المشهد الذي أنظر اليه الآن،
البحيرة الصافية في فانزيه، إذاك قفز
قلبي كجرو صغير، إنهم كانوا هنا.. جميعهم،
أولئك الذين مدوني بجناحٍ صغيرٍ للطيران
حين كنت على وشك السقوط، كانوا يتناقشون
هنا، يتصايحون، ويتجادلون، وينتقدون كل
الكتابات التي تكتب، لم يكن هناك حاجز،
كل شيء كان مباحاً لأجل الكتابة الجديدة
التي تساعدنا في صناعة عالم أقل توحشاً
وبشاعة.
منذ أيام في مكتبة ببرلين شاهدت كتاباً
لانغبورغ، على غلاف الكتاب كانت صورتها
نظرت لعينيها المنكسرتين تحت تأثير
الفقدان ولكن القويتان بنفس اللحظة،
همستُ لها برقة :أخيراً أصبح لدي جناحان.

≡ Menü ≡
Startseite Inhalt
Termine Submissions
Autor_innen Übersetzer_innen Moderator_innen
Über uns Partner Galerie
Kontakt Blog Facebook
Festival 2016 Events Presse